لم تعد غزة فقيرة لهذه الدرجة


لم تأخذ التقديرات بصدد خط الفقر بالحسبان مستوى الأسعار المنخفض في قطاع غزة. ولذلك، انخفضت نسبة الفقراء بعد تغيير العوامل من 65% إلى 33%، لكن لا يزال يسود الاعتقاد بوجود أزمة هناك.

نير بومس

في ظل ألسنة اللهب وتحت عنوان “آمال محطمة”، قدمت إحدى وعشرون منظمة تعني بحقوق الإنسان تقريراً جديداً عن غزة. ويبدو أن إسرائيل لم تفي بعهودها مرة أخرى. هناك نقص في مواد البناء ومخططات ترميم المباني العمومية والمدارس متوقفة ولا يمكنها التقدم. غزة تحت حصار، وفقا لما يدعيه جرمي هوبس، مدير أوكسفام اينترناشيونال، ولا تتوفر لسكانها إمكانية الحصول على “ماء نظيف وكهرباء ومصادر كسب ومستقبل”. هذا أمر محزن للغاية، هذه هي صورة الوضع الكئيب التي لا تزيد دولة إسرائيل الديموقراطية احتراماً، والتي تضع، على ما يبدو، أولاد غزة بمثابة أعداء لها. ولكن قد يأتي الجواب المحتمل لهذا التقرير من مكان غير متوقع هذه المرة.

بموازاة كتابة التقرير حول موضوع حقوق الإنسان، عمل مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني على إعداد تقرير يبحث في اقتصاد غزة أو على الأقل بمسألة تتعلق بهذا الاقتصاد بدرجة كبيرة- وهي نسبة الفقر. وفقا للوثيقة المعروضة باللغة إنجليزية المبسطة في موقع الانترنت الرسمي التابع للمكتب. في عام 2009 انخفض تقدير نسبة الفقر في غزة إلى النصف، من 65 إلى 33 بالمائة.

على العكس من خط الفقر النسبي، المعمول به في إسرائيل، خط الفقر الفلسطيني، هو فقر مطلق، والذي يغطي احتياجات أساسية في مجالات الصحة والإسكان والتغذية- وكذلك في التربية والمواصلات والاحتياجات الشخصية. بالإضافة لذلك يوجد خط إضافي أعمق يغطي الاحتياجات الأساسية فقط، من ملابس وتغذية ومسكن. تعريف خط الفقر الفلسطيني مهم ليس فقط بما يخص النقاش السياسي وتخصيص ميزانية حكومية. في مجتمع فيه نحو 40% من ميزانية الدولة يصل من مصادر دولية، مثل البنك الدولي والدول المتبرعة، فإن هذه المعطيات تؤثر على استعداد المجتمع الدولي على مساعدة السلطة والضغط على إسرائيل من أجل تغيير سياستها تجاه قطاع غزة.ب

كانت تعرف غزة على أنها تعيش في فقر مدقع حتى قبل أيام الانفصال أحادي الجانب، واستلام حماس لزمام الحكم، والطوق الذي فرضته إسرائيل في السنوات الأخيرة. ادعى تقرير البنك الدولي عام 2004 بأن نسبة الفقر في غزة كانت تقف على 68% بينما نسبة البطالة تصل إلى 32%. كذلك يشير التقرير إلى تدهور عام بشكل نسبي مقارنة بقياسات سابقة في عام 2000 وفي عام 2003. ربع سكان القطاع، وفقا للتقرير، عاجزون عن تزويد أنفسهم بالغذاء من دون تلقي مساعدة. إيقاف المساعدة سيزيد من نسبة الفقر العميق أيضاً (1.5$ للشخص يومياً أو 1.235 شيكل لكل عائلة مكونة من 6 أنفار للشهر) إلى حجم 65% حسب المستويات التي تقاس فقط في بعض الدول الأكثر فقراً في أفريقيا.

هل غزة تتضور جوعاً؟

إنها معطيات مفزعة وتشبر إلى أن آلاف الناس يتضورون جوعاً خلف خط الحدود ووضعهم يزداد سوءًا على ضوء الانفصال أحادي الجانب والطوق المفروض. “غزة في أزمة” وفقاً لأقوال فيير كرهنبيل، رئيس هيئة الصليب الأحمر. “غزة جائعة” هذا ما كتبه بيتر هنسن في صحيفة الغارديان البريطانية. وكذلك منظمة الغذاء العالمية التي أعلنت بأنه توجد مشكلة غذاء في غزة، وهذا ما دعا رجال الإدارة المدنية بأن يشرحوا بأنه لا توجد أزمة إنسانية في غزة.ب

لكن الأزمة هي مصلحة تجدي نفعاً، على ما يبدو، خاصة إذا كان هناك من هو مستعد لأن يدفع المال بالمقابل. ولذلك ما يفاجئنا أكثر هو أنه في السنوات الأخيرة بالذات، من بعد الانفصال، على الرغم من حماس والحصار، فإن غزة تبدي علامات انتعاش وتعافي. نحن لا نتحدث عن المشروع الجميل التابع لحكومة هولندة حيث يصدر مزارعو غزة 2.5 طن توت أرضي وأزهار إلى أوروبا، ولكننا نتحدث عن تصحيح إحصائي.ب

يشرح التقرير الأخير من مكتب الإحصاء الفلسطيني بأن حسابات تقدير خط الفقر لم تأخذ بالحسبان مستوى الأسعار المنخفض في قطاع غزة، مقارنة بالضفة الغربية. الآن، بمساعدة البنك العالمي، تم تعديل الأرقام ومعها تقديرات الفقر في غزة التي انخفضت هكذا بشكل فجائي بمعدل النصف، من 65% وفقا لطريقة الحساب السابقة إلى 33%. يجب أن نذكر أيضا أن أل 33% هذه، هي معطى صعب بحد ذاته، لا يعكس خط الفقر الذي يحوي الغذاء والملبس والمسكن فقط، إنما أيضا ظروف الحياة الأساسية والصحة والتربية.ب

نظرة أخرى على مدار السنوات، باستثناء فترة حملة الرصاص المصبوب ي تولدت من جرائها صعوبات كثيرة بخصوص المساعدات المقدمة من منظمات الغوث أيضا، تظهر بأن الفقر في غزة لم يتغير كثيراً منذ العام 2004 ووقف عند 30% تقريبا. بكلمات أخرى، على العكس من النظرة الشائعة في العالم- تأثير الحصار على الفقر في القطاع محدود. تجدر الإشارة إلى أن الفقر في الضفة آخذ في الانخفاض أيضا. في عام 2004 كانت نسبة الفقر قد بلغت 25% وانخفضت بالتدريج حتى سنة 2009، وفي العام الأخير الذي توجد له معطيات، بلغت 17%.ب

حالة من الصمت

من يتمعن في التقارير الواردة عن غزة، منذ نشر التقديرات الجديدة أو بتقارير منظمات حقوق الإنسان التي تبحث في الموضوع (تلك التي تتحدث ليلا ونهاراً عن تقديرات الفقر القديمة وبما فيها التقرير الأخير)، يكتشف حالة من الصمت. ربما كان هذا الصمت على الجبهة الدولية نابعاً من أن التغير لا يدعم أجندة غالبية المنظمات التي تبحث في الموضوع، وماذا عن وسائل الإعلام؟ تلك الوسائل الإعلامية الدولية ربما تكون غير معنية بأخبار أفضل بقليل ووسائل الإعلام الخاصة بنا، كالعادة، تبحث في حرائق أخرى وتبدي عدم اكتراث لما يحدث في المجتمع الغزاوي خلف الحدود.ب

يمكن نسب بعض الاستنتاجات لهذه الأرقام: أولاً، تغير التقديرات يدلنا على الوضع الاجتماعي الصناعي في قطاع غزة وعن التأثير المحدود للحصار على نسبة الفقر. ثانياً، نحن نثبت مرة أخرى أهمية المعرفة والتقدير حيث أنه في نهاية المطاف حتى من دون تسريب، سيأتي شخص ما أو جهة معينة ويفحص ويكشف، بالإضافة لذلك، إن ما يؤسف عدم تخصيص الدولة لموارد ملائمة لتحليل اقتصادي للمناطق المحتلة. وكان من الأجدر أن تقوم المؤسسات الإسرائيلية الرسمية بهذه المهمة.ب

وفي النهاية جدير بالاهتمام ما يحدث في الساحة الخلفية لدينا. الفقر في غزة، وهذا بغض النظر عن التوجه السياسي إن كان يميناً أو يساراً، ليس بأمر جيد لنا ولا للفلسطينيين. يجب العمل من أجل القضاء على هذه الظاهرة ويستحسن أن تفصل أعمالنا بين  الإنسان في الشارع الغزاوي وبين الحكومة المسيطرة بالقوة. بهذا النص ربما يستحسن أن نتناقش أكثر مع الدول المتبرعة بمسألة استثمار المال الذي كما نعرف لا ينتهي دائما في المكان المناسب. المزيد من الانتباه لن يضر بأحد.ب

نير بومس هو صحفي وزميل بحث في مركز بحث سياسة الإرهاب في هرتسليا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *